لقد تراكم الجهل وأُقيمت له في نفوس البعض تماثيل وأوثان، فظن الجاهل في جهله المعرفة، أو بتعببر المتنبي تخيل فخان.فخانوا طاقاتهم التي يغذون السير من خلالها في مسارهم الواحد، وخانوا المعنى الذي يعتبطون حباله، حتى ثوت الأجساد عن المعالي وأرتضت بالدون، ومن البدهي أن من ارتضى بالدون فهو دون.
كما سعى بعض المتحمسون في ذات الإطار إلى رفع راية النفس، فهبطوا في بذرة الطمع العميانة التي تورث الهشاشة وانفصام الشخصية،
إذ كانت قراءتهم لمشخصاتهم على غير حقيقة، والنظر إلى محاسنهم على غير نبالة وازنة.
الإبداع هو الجهل بما لديك من إبداع، وهذا السر في رأيي، هو نقطة الارتكاز التي من خلالها يستطيع المرء أن يغير العالم، ويخرج من خرافة الانتفاخ وهوس الشهرة.
إن المعرفة لسهلة، ولكن العمل عسير؛ والعمل المراد به ههنا هو مساورة ومساوقة المعرفة بغية انصبابها في قالب، وهذا ما ليس متاح للكثير،لأسباب ليست منطقية في الغالب وإن ظهرت هي؛ أو حاولوا أن يظهروها بطريقة منطقية. فالوقت مثلاً ليس عذر، وإن كان سبباً يُقال له عذر في عدمية تحقيق ما يُراد تحقيقه، وغير تلك الأعذار التي ليست أعذار في ذاتها، بقدر ما هي أعذار لمجتذبها لكي تقيه حر صيف الطموح، وجمرة الإنجاز، ومسمار سبانك الغاية.
إن الغرور هو أقرب المقربين للنفوس التي تكتفي بما تعرف، مما يصعب على المعرفة عينها أن تجد لها مسلكاً وطريقاً إلى ذلك المستكفي، وإن كان لايدعي ذلك- ولكنه يمارس- إلا أنه يصر إصراراً حاسماً عدمية ملامسة تلك الصفة المنبوذة لندب ثوبه، هنا يولد الخطر، ومن هنا يكون بناء مركزيته أشد إيغالاً في تشويه معارجه.
كلمة غرور كلمة مستهلكة لا وقت لأحد أن يُنقب في ماهيتها، وإن كانت تلامس مسار الطامح الذي توصل به الجهد إلى نزر يسير، من حجم كبير مثخن بمثاقل الطموح ومناقب مدخليته، وذلك يتجلى في محاولة القيام بدور الموجه، الحريص على الآخرين؛ الآخرين الذين قد يعلوه فهماً وادراكاً ومتانة ثقافية ضاربة في أعماق الوعي.
أمثال هؤلاء يعانون إنفصام ثقافي، يرافقه دغل ينم عن ضآلة التربية؛ تلك التربية أكرعتهم منابع الكنود. يلزهم الجبن إلى إظهار جهلهم، وتحوجهم الحجة إلى تعرية وهمهم، ولو تحلوا بالشجاعة واغتبطوا منادح الوقاية، لوصلوا إلى ذروة ما تتآكلهم نفوسهم بسببه، ولكانوا هناك في قلب الجليل المنشود، أو بتعبير خوسيه ريزال لكانوا كصخرة في صرح، من أن يكونوا كصخرة مهملة في حقل.
الكاتب : أ.مهيب نصر
عضو هيئة التحرير
مجلة الرقم واحد

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق